العز بن عبد السلام
57
زبدة خلاصة التصوف ( حل الرموز ومفاتيح الكنوز )
للمساومة في بيعهم وضرب لذلك أجلا بعد أن يكون الأمر قد تعالمه كل القاهرة ليتهيأ من يتهيأ للشراء والسوم في هذا الرقيق الغالي . وكان من الأمراء المماليك نائب السلطنة فبعث إلى الشيخ يلاطفه ويسترضيه فلم يعبأ الشيخ به فهاج هائجه وقال كيف يبيعنا هذا الشيخ وينادى علينا وينزلنا منزلة العبيد ويفسد محلنا من الناس ويبتذل أقدارنا ونحن ملوك الأرض ، وما الذي يفقد هذا الشيخ من الدنيا فيدرك ما نحن فيه ، إنه يفقد ما لا يملك ويفقد غير الموجود ، فلا جرم لا يبالي ولا يرجع عن رأيه ما دام هذا الرأي لا يمر في منافعه ولا في شهواته ولا في أطماعه كالذين نراهم من علماء الدنيا ، أما واللّه لأضربنه بسيفي هذا فما يموت رأيه وهو حي . ثم ركب النائب في عسكره وجاء إلى دار الشيخ واستل سيفه وطرق الباب فخرج ابنه عبد اللطيف ورأى ما رأى فانقلب إلى أبيه وقال له انج بنفسك ، إنه الموت ، وإنه السيف وإنه وإنه . فما اكترث الشيخ لذلك ولا جزع ولا تغير بل قال له يا ولدى : أبوك أقل من أن يقتل في سبيل اللّه . وخرج لا يعرف الحياة ولا الموت فليس فيه الإنسانى بل الإلهى ، ونظر إلى نائب السلطنة وفي يده السيف فانطلقت أشعة عينيه في أعصاب هذه اليد فيبست ووقع السيف منها . وتناوله بروح قوية فاضطرب الرجل وتزلزل وكأنما تكسر من أعصابه فهو يرعد ولا يستقر ولا يهدأ